عن إدارة الموقع
يسر جماعة البحث في البلاغة وتحليل الخطاب (بني ملال، المغرب) أن تعلن للباحثين والأكاديميين عن صدور العدد الثامن عشر (خريف 2025) من "مجلة البلاغة وتحليل الخطاب" ، وهي مجلة فصلية علمية محكمة دأبت على تقديم إسهامات نوعية في حقل الدراسات البلاغية وتحليل الخطاب. يصدر هذا العدد بإدارة المدير المسؤول الأستاذ ادريس جبري ، وبإشراف هيئة تحرير تضم كوكبة من الأساتذة المتخصصين وهم: عبد الرحيم وهابي، ومحمد واحميد، وعبد القادر بقشي، ومحمد الرواص، وعزيز قميشو، ومحمد العمري، وسعيد بنكراد ، وتدعمها هيئة علمية مرموقة تتألف من الأساتذة: محمد الولي، وحسان الباهي، وأحمد قادم، وعبد العزيز الحويدق، ومحمد كنوني، وعماد عبد اللطيف .
لا يأتي هذا الإصدار في سياق اعتيادي، إذ يكتسي
طابعاً استثنائياً يمتزج فيه الحِداد المعرفي بالاحتفاء الفكري؛ فقد شاءت الأقدار،
كما أشارت "كلمة العدد" ، أن
يتزامن مولده مع فقدان الساحة البلاغية والثقافية العربية لأحد أعمدتها الراسخين،
وركنٍ أساسي من أركان هذه المجلة، وهو الفقيد الراحل الدكتور الحسين بنوهاشم. وعليه، فإن
هذا العدد، بكل ما يحمله من ثقل علمي، هو قبل كل شيء "هدية" مُهداة لروح
الفقيد ، وتكريمٌ لائق لمسار باحثٍ نذر عمره لتطوير الدرس البلاغي وتجديده. يتمحور هذا
العدد (18) حول إشكالية مركزية ومُلحّة، وهي "بلاغة الخطاب الديني". ولا يُعد هذا الاختيار مجرد مواكبة أكاديمية، بل هو استجابة لضرورة معرفية
وتاريخية؛ فالعلاقة بين البلاغة والخطاب الديني هي علاقة تأسيسية ضاربة في جذور
التراث العربي، حيث تشابكت قضايا الإعجاز والمجاز والبلاغة مع علوم الأصول
والفلسفة والنحو في سياق مقاربة النص الديني.
وفي سياق معاصر، يكتسب هذا المحور أهميته من
واقع "بات فيه الخطاب الديني [...] عرضة للمتطفلين من غير ذوي
الاختصاص"، مستغلين سهولة التواصل والوصول إلى الجماهير عبر الوسائل
التكنولوجية. إزاء ذلك، يطرح هذا العدد نفسه كمحاولة علمية رصينة لسبر أغوار هذا الخطاب،
ليس فقط من منظور غناه التراثي وانفتاحه على آفاق التأويل، ولكن أيضاً من حيث هو
ممارسة معاصرة فاعلة، بهدف الكشف عن "خصائص هذا الخطاب واستراتيجيات الإقناع
والتضليل التي يقارب بها"، بغية تحقيق غاية عليا تتمثل في "خلق أفق
لتحقيق الحياة الطيبة". لتحقيق هذا المسعى النقدي، يضم العدد بين دفتيه "ثلاث عشرة دراسة" شاركت فيها أسماء بارزة في حقول البلاغة والفلسفة وتحليل الخطاب ، مقدماً
بانوراما فكرية تعالج الإشكالية من "منظورات متعددة: بلاغية ومعرفية،
وسميائية وفلسفية، ولسانية...". وتتوزع هذه الإسهامات لتغطي مساحات شاسعة من الإشكالية، بدءاً بـ
"مدخل بلاغي لتحليل النص الشرعي" لمحمد العمري ، ومروراً بالدراسة
القيمة التي تركها الفقيد الحسين بنوهاشم حول "الحجاج في الخطاب الديني"
متخذاً من برنامج "الشريعة والحياة" نموذجاً ، ودراسة "الاستعارات
التصورية في الخطاب القرآني" لعبد الرحيم وهابي ، و"القراءة الأرضية في
السرد الديني عند سعيد بنكراد" بقلم إدريس جبري. كما يغوص العدد في قضايا "علم التناسب القرآني أو أسئلة البلاغة
المنسية" مع البتول بلمودن ، و"إعادة تأسيس البيان القرآني على
الحجاج" عند ابن حزم لعسو بوعلام ، ويحلل "بلاغة الإيطوس واللوغوس"
في الخطاب الدعوي المعاصر لذاكر نايك مع البهجي يامنة ، ويستكشف "الاستعارة
في الخطاب الصوفي" عبر كتاب المواقف والمخاطبات للنفري مع ياسين معنان.
ولا يتوقف العدد عند حدود البلاغة التقليدية، بل
ينفتح على آفاق التأويل والفلسفة، كما في دراسات "هيرمينوطيقا الخطاب الديني
عند محمد مجتهد الشبستري" لمحمد بن المقدم ، و"الجينيالوجيا، أو التأويل
النيتشوي للمسيحية" لبدر بقارة ، و"الجماليات المتعالية نحو أفق جديد
لدراسة القرآن" لسهام البوعيادي ، وصولاً إلى قراءة "الملكوت الإلهي تحت
مبضع الفلسفة السياسية" عند طوماس هوبز لكريبي عبد الكريم. إن هذا
التنوع المنهجي، وهذا الثراء المعرفي الذي يجمع بين تحليل النص القرآني، والخطاب
الصوفي، والمناظرات الكلامية، والخطاب الدعوي المعاصر، والتأويلات الفلسفية، هو ما
يجعل هذا العدد بمثابة بيان أكاديمي متكامل، يبرز الحاجة الملحة "لتجديد
السؤال" حول هذا الخطاب ، وقدرته على "صهر علوم العربية في بوتقة واحدة" ،
مقدماً بذلك إسهاماً جاداً ورصيناً في الساحة الفكرية، ووفاءً مستحقاً لذكرى
الباحث الكبير الذي يُهدى إليه هذا العمل.
إن تكريس هذا العدد لروح
الدكتور الحسين بنوهاشم يتجاوز لفتة الوفاء الرمزية، ليؤرخ لخسارة مشروع فكري رائد
ومكتمل الأركان. لم يكن الفقيد مجرد باحث بارز ضمن جماعة "البلاغة وتحليل
الخطاب" ، بل كان جسراً معرفياً حقيقياً وَقَفَ حياته الأكاديمية على إرساء
دعائم "البلاغة الجديدة" ونظريات الحجاج في الحقل التداولي العربي. وتتجسد
مساهمته الأبرز في مشروعه "الترجمي-المعرفي" الذي تُوِّج بنقله الرصين
لمؤلَّف شاييم بيرلمان التأسيسي "الإمبراطورية الخطابية". هذا العمل،
الذي نال اعترافاً أكاديمياً رفيعاً بحصوله على "جائزة الشيخ حمد للترجمة
والتفاهم الدولي" (المركز الثاني، الدورة العاشرة 2024) ، لم يكن مجرد إضافة
للمكتبة العربية، بل كان فعلاً تأسيسياً حقيقياً فتح آفاقاً جديدة للباحثين العرب
لتطبيق آليات الحجاج في مقاربة الخطابات. ويأتي إسهامه الأخير في هذا العدد
بالذات، حول "الحجاج في الخطاب الديني" ، كشاهد أخير على مدى تجذّر هذا
المشروع الفكري لديه، حيث ظل (رحمه الله) مخلصاً، حتى آخر سطر، لربط الدرس البلاغي
الرصين بقضايا الخطاب الراهنة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق